فوزي آل سيف
46
كاظم الغيظ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام
ورفض الفضل بن يحيى الاستجابة لأمر هارون بقتل الإمام عليه السلام لا يدل على الاعتراف بإمامته بالضرورة، فقد رفض قبله كل من سجن الإمام؛ عيسى بن جعفر في البصرة، والفضل بن الربيع في بغداد، وقد يكون ذلك راجعًا لأسباب متعددة ولا ينحصر الأمر بالاعتراف بالإمامة، فقد يرى بعضهم أن الشخص هذا لم يأت بجناية تستوجب قتله وبالتالي فهو لا يريد أن يبوء بإثم قتله! وقد يكون ذلك لما يرون من أن الخليفة أحيانًا يأمر شخصًا بقتل رجل سرًا ثم يعاقبه في العلانية بأنه قتل ذلك الشخص من دون إذنه! وقد يرى هؤلاء أن مناصبهم كما جاءت بها الريح تذهب بها العاصفة وأنه لا أحد يدوم في السلطة، ولا وفاء للملوك! فلماذا يقتل شخصًا ويدعم أركان سلطان ثم يكون عاقبته العزل والطرد؟ المهم أن الفضل بن يحيى لما رأى «الإمام مشغولا بالعبادة يحيي الليل كله صلاة وقراءة للقرآن ودعاء واجتهادا، ويصوم النهار في أكثر الأيام، ولا يصرف وجهه من المحراب، وسع عليه الفضل بن يحيى وأكرمه»[105]. 4/ السندي بن شاهك سيفٌ باغٍٍ وكرباجٌ قاسٍ هي خلاصة حياة هذا الرجل المجرم! فلم يترك له من ذكرٍ في التاريخ سوى أنه جلد فلانًا مائة سوط، وقتل فلانًا في سجنه! وتبًّا لهذا الذكر في الدنيا وتعسًا لهذا المصير في الآخرة. ولولا أن الله سبحانه وتعالى أكرم أسرته بحلول الإمام موسى بن جعفر عليه السلام سجينًا في أول أمره في منزل قريب من نسائه وأهل بيته فكان أن حلت كرامة الله على تلك الأسرة دونه! فأصبحت أخت السندي مأخوذة بعبادته وتوجهه لربه، وكانت تعترض على أخيها المنفذ وعلى الخليفة الآمر، بأنّ من يتعرض له بالأذى خفيف الميزان! ولا نعرف عن أبنائه وتأثرهم لكن حفيده محمود المعروف بكشاجم[106]كان من المعروفين بمجاهرتهم بولاء أهل البيت عليهم السلام. نعود إلى الصفحة السوداء التي خربش فيها السنديُّ حياته! فيعرف عنه أنه كان مولى أبي جعفر المنصور العباسي، وكانت نهاية حياته السيئة في سنة 204 ه. تقلّبَ في أعمال التعذيب والإيذاء لكل من كان يخالف الحاكم الفعلي ولو كان رب نعمته بالأمس، فهكذا هي حياة (عبدة الطاغوت) لا يعرف غير أمر الحاكم مهما كان! ولأن هؤلاء الحكام يعرفون في هؤلاء العبيد هذه الصفة فهم يلعبون بهم، فيولونهم حتى يذوقوا طعم الولاية والمال، ثم يعزلونهم من دون سببٍ لكي يسوقوهم للقيام بأي عملٍ، من أجل أن يحظوا من جديد بثقة الحاكم! وفي هذا السباق قد يتآمر بعضهم على بعض ويكيد بعض لبعض.
--> 105 المفيد، الإرشاد٢/ ٢٤١ 106 ذكره السيد جواد شبر في أدب الطف ٢/ ٤٥ فقال: كشاجم أبو الفتح محمود بن الحسين بن السندي بن شاهك الرملي المعروف بكشاجم. نسبة إلى الرملة من أرض فلسطين. وإنما لقب بكشاجم إشارة بكل حرف منها إلى علم: فبالكاف إلى أنه كاتب، وبالشين إلى أنه شاعر، وبالألف إلى أنه أديب، وبالجيم إلى أنه منجم، وبالميم إلى أنه متكلم. فكان كاتبًا شاعرًا أديبًا جامعًا منجمًا، وكان مؤلفًا صنف في أفانين العلوم. ذكره ابن شهراشوب في شعراء أهل البيت عليهم السلام المجاهرين وله قصائد في مدح آل محمد، وجمع ديوانه أبو بكر محمد بن عبد الله الحمدوني مرتبا على الحروف وألحق به بعد ما تمّ جمعه زيادات أخذها عن أبي الفرج بن كشاجم سماه (الثغر الباسم من شعر كشاجم) مطبوع. ذكر صاحب شذرات الذهب انه توفي سنة 360. أما الزركلي في الأعلام فيقول: إنه توفي سنة 350. قال الشيخ القمي في الكنى أقول: كانت عمة والد كشاجم أخت السندي من المحبين لأهل البيت وكانت تلي خدمة موسى بن جعفر عليه السلام لما كان في محبس السندي.